القائد الشهيد: “أبا عالي” حمودي عن كثب..

القائد الشهيد: “أبا عالي” حمودي عن كثب..

لا شك أن رزية “جمعة الشهداء” كانت بحجم الرجل ؛ كبيرة وعظيمة .. فالفقيد المتواضع تجاوز في بساطته نكران الذات الى نسيان الذات المركز القيادي الذي يتبوأ ، أما تاريخه الطوييييل العريض ، من سائق عسكري إلى قائد ناحية عسكرية مشهود له بالإقدام والخبرة ، فلن يركنه النسيان في طياته وسيظل مبجلا في بطون الكتب وشهادات الرواة من بعيده….

عندما يقرر خطة يكون أول من يسابق في تطبيقها ، من التواجد مع مقاتلي الناحية إلى قيادته إياهم في أصعب المهام واقربها إلى الحتوف …

شهدت مع الرجل عدة مهام ، في القطاع الممتد من لمسامير إلى تويزكي ، فكان نعم القائد ، رجل لا ترف عينه لشظايا القذائف المتهالطة على أمتار منه ولا أصواتها الراعدة ..

في أحد صولاته كانت قذائف العدو تنزل بغزارة وكان القائد الواثق هو نفسه السائق المحترف الذي يتملص من الانفجارات حوله بكل احترافية …

فيما لا نزال في طريقنا الى الجدار ، قيل له إن الوضع خطير وأن العدو رصدنا وأن علينا الانسحاب ، فكان رده : لن نعود حتى نفرغ حمولتنا من القذائف على رؤوسهم ..

في مستهل الحرب الثانية ، كنت في مهمة إلى لرصد العمليات العسكرية على طول خط النار من شمال القطاعات العسكرية الى جنوبها ، وقد اتاحت لنا تلك المهمة معرفة “أوتاد الأرض” ..

من بين اؤلائك الرجال المتعطشين للنصر أو الشهادة ، برز اسم الشهيد القائد أبا عالي حمودي ، الذي تعرفت على قصة تدرجه في جيش التحرير ، من سائق عسكري مع الشيخ الشهيد ؛ بنة ولد أباها -طيب الله ثراه- ، فقائد متوسط مر بعدة رتب عبر سنوات طوال ، إلى قائد أبرز ناحية عسكرية في الحرب الجديدة..

خلال تلك العقود من القتال تحول جسده النحيل إلى متحف يضم عددا لا حصر له من الندوب التي حفرتها شظايا القنابل والرصاص كشواهد على تاريخه الثري في خرب التحرير ، وفي داخل جسد الرجل ذي الهمة الأقطع من السيف ، معاناة مريرة مع المرض ، يضمرها إيثارا ويكابد مرارتها في صمت، إيمانا بالواجب وصونا لعهد قطعة لمن قضوا نحبهم ..

“من لم يمت بالسيف مات بغيره” ..

بين مرض يأكل أحشاءه وبين واجب يراه عين الحياة ومعينها ، كانت أيام الأخيرة في نقطة الصفر بين الخيارين ، فكان له ما أراد أن يرحل وافقا كطود عظيم أن يتنفس رحيق الجنة وطعم النهايات في الأمور العظيمة …

في السنوات الأخيرة أصبح تابعا لإدارته المباشرة ، حيث حظيت بمعرفته عن كثب وأدركت معه أياما لن تنسى ومهاما كان فيها كما تريد أن ترى شخصا تعزه ، أن تكون حركاته وكلماته كما سمعت أو أوثق ، فما رأيناه منه كان تزكية لما يسمع عنه من حسن صنيع ، فكان الشجاع الذي يدلل المنايا بلا فزع ، وكان الأب الناصح الشمولي في أوبيته تلك ، والرفيق المؤثِر على نفسه ، حدا يجعله ينسى أنه القائد الذي يرجع إليه أمر تلك المنطقة برمتها ، يبحث عن حلول لكل المعضلات ، ويفرض بمنطق العقل والمعرفة الدقيقة بفنون التعامل ، روح الرفاقية كبديل عن قانون القائد و المقيود …

شهدت الناحية العسكرية السادسة في زمنه تطورا كبير ، فتحولت من مراكز الخلف إلى وجبهة يحسب لها العدو ألف حساب ، و حين أدركه الرحيل في “جمعة الشهداء” كان ت إلى ذلك الحين الأكثر فتكا بالعدو ، رجوعا إلى البلاغات العسكرية ، و تولت في زمنه الإجراءات اللوجيستية لعملية تويزگي التاريخية وبمشاركة عدد من أفرادها المتمرسين ، من بينهم رفيقه في الشهادة القائد الشهيد “لاري” ؛ البشير سعيد لمام ، ولم يمر يوم منذ 18 نوفمبر 2020 الى الساعة دون أن نسمع عن إغارة وحداتها على حجور العدو ونقاط تجمعاته …

عاش قائدا بسيطا بخبرة عظيمة ولم يمت حين فارقنا فراقا أليما ، وانطلق في حياته الأخرى ممجَّدا خالدا في الذاكرة الجماعية الصحراوية ..

المجد للشهداء..

مصطفى سيد البشير…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *